وداعاً فيليكس باومغارتنر: الرجل الذي تحدى السماء

الرياضة للأبد – لم يكن اسم فيليكس باومغارتنر مجرد عنوان في الأخبار، بل أصبح مرادفًا للجرأة، الابتكار، وتجاوز حدود المستحيل. هذا النمساوي الشجاع، الذي اشتهر عالميًا بسقطته الحرة الأسطورية من حافة الفضاء، لم يترك وراءه مجرد رقم قياسي، بل إرثًا من الإلهام يمتد عبر الأجيال. .لكنه توفى مؤخرا في حادث مأساوي أثناء قيادته لطائرة شراعية آلية في مدينة بورتو سانت إلبيديو الساحلية بإيطاليا.

النشأة وبداية الشغف بالمغامرة

 

وُلد فيليكس باومغارتنر في 20 أبريل 1969 في سالزبورغ، النمسا. منذ صغره، أظهر فيليكس شغفًا كبيرًا بالمغامرات والرياضات الخطرة. بدأ مسيرته في القفز بالمظلات في سن 16 عامًا، وسرعان ما برع في هذا المجال، متجاوزًا توقعات المدربين والزملاء. لم يكن مجرد هاوٍ، بل كان رياضيًا موهوبًا يتمتع بقدرة فريدة على التحكم في جسده في الهواء.

خلال فترة خدمته العسكرية، انضم باومغارتنر إلى فريق القوات الخاصة بالجيش النمساوي، حيث صقل مهاراته في القفز الحر والهبوط من ارتفاعات منخفضة. هذه التجربة عززت انضباطه، وقدرته على التعامل مع الضغوط، ومهاراته التقنية، وهي كلها صفات ستكون حاسمة في إنجازاته المستقبلية.

 

مسيرة حافلة بالأرقام القياسية والمخاطر المحسوبة

 

قبل سقطته التاريخية من الستراتوسفير، كان فيليكس باومغارتنر بالفعل أسطورة في عالم القفز بالمظلات والقفز من ارتفاعات ثابتة (BASE jumping). سجل العديد من الأرقام القياسية العالمية التي أظهرت جرأته الاستثنائية ومهاراته الفائقة. من أبرز إنجازاته السابقة:

  • أدنى قفزة BASE من هيكل: قفز من تمثال المسيح الفادي في ريو دي جانيرو بالبرازيل عام 1999، وهي قفزة تتطلب دقة متناهية وشجاعة فائقة نظرًا لقرب الأرض.
  • قفزة BASE من أعلى مبنى في العالم: في عام 2007، قفز من برج تايبيه 101 في تايوان، الذي كان آنذاك أطول مبنى في العالم.
  • عبور القناة الإنجليزية بالقفز الحر باستخدام جناح هوائي (Wingsuit): في عام 2003، أصبح أول شخص يعبر القناة الإنجليزية باستخدام جناح هوائي، وهي مهمة تتطلب تخطيطًا دقيقًا ومثابرة.

هذه الإنجازات لم تكن مجرد استعراض للقوة، بل كانت تُظهر استعداد باومغارتنر الدائم لتحدي الحدود البشرية والتقنية. كل قفزة كانت تتطلب تدريبًا مكثفًا، تحليلًا للمخاطر، وتصميمًا لا يتزعزع.

 

مشروع “ريد بُل ستراتوس”: الحلم يصبح حقيقة

 

كان مشروع ريد بُل ستراتوس (Red Bull Stratos) هو تتويجًا لسنوات من التخطيط، البحث، والتطوير، بهدف تحقيق قفزة حرة من حافة الفضاء. لم يكن الهدف مجرد كسر الأرقام القياسية، بل المساهمة في العلوم، وخاصة في مجال سلامة الفضاء للرحلات المستقبلية.

تطلب المشروع فريقًا دوليًا من العلماء، المهندسين، والأطباء، بالإضافة إلى استثمار ضخم. كان باومغارتنر يخضع لتدريب بدني ونفسي مكثف لسنوات، لتهيئته للظروف القاسية التي سيواجهها في الستراتوسفير، بما في ذلك درجات الحرارة المتجمدة، الضغط المنخفض للغاية، ومخاطر فقدان الوعي أو التعرض لإصابات خطيرة.

في 14 أكتوبر 2012، وفي نيو مكسيكو بالولايات المتحدة الأمريكية، انطلق فيليكس باومغارتنر في كبسولة فضائية مربوطة بمنطاد هيليوم ضخم، وصعد ببطء إلى ارتفاع غير مسبوق.

 

السقوط التاريخي: كسر حاجز الصوت والوصول إلى المجد

 

بعد ما يقرب من ساعتين ونصف من الصعود، وصل باومغارتنر إلى ارتفاع 38,969.3 مترًا (127,852 قدمًا)، محطمًا الرقم القياسي لأعلى ارتفاع بمنطاد مأهول. في تلك اللحظة التاريخية، فتح باب الكبسولة، وألقى بنفسه في فراغ الفضاء، أمام ملايين المشاهدين حول العالم الذين كانوا يتابعون البث المباشر.

كانت اللحظات الأولى من السقوط هي الأكثر خطورة، حيث تعرض باومغارتنر لدوران غير متحكم فيه، مما أثار قلق الفريق الأرضي. لكن بفضل تدريبه المكثف وخبرته، تمكن من استعادة السيطرة على جسده. بعد حوالي 40 ثانية من السقوط، حقق إنجازه الأبرز: أصبح أول إنسان يكسر حاجز الصوت دون مساعدة مركبة. بلغت سرعته القصوى 1,357.6 كيلومترًا في الساعة (843.6 ميلًا في الساعة)، أو 1.25 ماخ.

استغرقت سقطته الحرة حوالي 4 دقائق و 20 ثانية قبل أن يفتح مظلته على ارتفاع حوالي 2,500 متر. هبط بسلام في صحراء نيو مكسيكو، ليُختتم بذلك إنجازًا تاريخيًا استغرق سنوات من التحضير والتصميم.

بذلك، حطم باومغارتنر ثلاثة أرقام قياسية عالمية في يوم واحد:

  1. أعلى قفزة حرة: 38,969.3 مترًا (127,852 قدمًا).
  2. أعلى ارتفاع لمنطاد مأهول: 38,969.3 مترًا (127,852 قدمًا).
  3. أسرع سرعة في السقوط الحر: 1,357.6 كيلومترًا في الساعة (843.6 ميلًا في الساعة)، أي 1.25 ماخ.

 

ما بعد الإنجاز: حياة جديدة بعيدًا عن حافة الفضاء

 

بعد إنجازه التاريخي، ابتعد فيليكس باومغارتنر عن القفزات الخطيرة والقفز الحر الاحترافي. اختار التركيز على مسيرة مهنية جديدة كسائق طائرة هليكوبتر إنقاذ جوي، وهي مهنة تتطلب أيضًا مهارات عالية وشجاعة، ولكن بمخاطر مختلفة. كما أصبح متحدثًا تحفيزيًا شهيرًا، يشارك قصته وتجاربه لإلهام الآخرين على تحقيق أحلامهم وتجاوز العقبات.

وقبل وفاته قام ايضا باومغارتنر بمهام كمستشار لشركات الطيران والفضاء، مستفيدًا من خبرته الفريدة في البيئات القصوى. ظهر بانتظام في الفعاليات العامة وشارك في مبادرات تهدف إلى تعزيز السلامة والابتكار في مجال الطيران.

 

الإرث والتأثير

 

لم يكن إنجاز فيليكس باومغارتنر مجرد رقم قياسي مذهل، بل كان له تأثير علمي وتقني كبير. فقد جمع مشروع ريد بُل ستراتوس بيانات قيمة حول كيفية تأثير البيئات عالية الارتفاع على جسم الإنسان، وتطوير بدلات الفضاء وأنظمة الدعم الحيوي. هذه المعلومات ستكون حاسمة لتصميم مهمات فضائية مستقبلية أكثر أمانًا، سواء للمسافرين الفضائيين أو الرواد.

مثل فيليكس باومغارتنر رمزًا للإرادة البشرية التي لا تعرف المستحيل. قصته هي شهادة على أن بالعزيمة، التخطيط الدقيق، والتدريب المستمر، يمكن للإنسان أن يكسر الحواجز التي تبدو مستعصية، سواء كانت في الغلاف الجوي أو في أي جانب آخر من جوانب الحياة. إن إرثه ليس فقط في الأرقام التي حطمها، بل في الروح التي أظهرها: روح المغامرة، التحدي، والإيمان بالقدرة على التحليق فوق كل الصعاب.

 

وفاة فيليكس باومغارتنر: نهاية مؤسفة لمغامر أسطوري

 

تلقى عالم الرياضات الخطرة والمغامرة بصدمة وحزن بالغين نبأ وفاة الأسطورة النمساوي فيليكس باومغارتنر يوم الخميس، 17 يوليو 2025، عن عمر يناهز 56 عامًا. جاءت وفاته إثر حادث مأساوي أثناء قيادته لطائرة شراعية آلية في مدينة بورتو سانت إلبيديو الساحلية بإيطاليا.

 

تفاصيل الحادث المأساوي

 

وفقًا للتقارير الواردة من السلطات الإيطالية ووسائل الإعلام المحلية والدولية الموثوقة، فقد فيليكس باومغارتنر السيطرة على طائرته الشراعية بعد تعرضه لوعكة صحية مفاجئة أثناء التحليق. أفادت بعض المصادر أنه ربما يكون قد أصيب بسكتة قلبية أو فقد الوعي قبل التحطم. سقطت الطائرة الشراعية في حوض سباحة تابع لأحد الفنادق في المنطقة، مما أدى إلى إصابة موظفة بالفندق بجروح طفيفة نتيجة الشظايا.

هرعت فرق الطوارئ إلى مكان الحادث على الفور، بما في ذلك سيارات الإسعاف وفرق الإنقاذ، ولكن تم إعلان وفاة باومغارتنر في الموقع. وقد أكد عمدة مدينة بورتو سانت إلبيديو، ماسيميليانو سياربيلا، الخبر في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، معربًا عن حزن المجتمع العميق لفقدان “رمز للشجاعة والشغف بالطيران الشديد”.

قبل ساعات قليلة من الحادث المميت، كان باومغارتنر قد نشر “ستوري” على حسابه في إنستغرام يظهر جورب الرياح مع تعليق “رياح شديدة جدًا”، مما يشير إلى الظروف الجوية التي كانت سائدة في ذلك اليوم.

 

إرث لا يُمحى

 

تأتي وفاة باومغارتنر لتضع حدًا لمسيرة مهنية استثنائية مليئة بتحدي المستحيل وتحطيم الأرقام القياسية. لم يكن مجرد رياضي مغامر، بل كان مهندسًا بشريًا، يخطط لكل خطوة بدقة ويستعد لها بجسد وعقل.

اشتهر باومغارتنر عالميًا بقفزته التاريخية في 14 أكتوبر 2012، ضمن مشروع “ريد بُل ستراتوس”، عندما أصبح أول إنسان يكسر حاجز الصوت في سقوط حر بدون مساعدة مركبة، من ارتفاع تجاوز 38 كيلومترًا فوق سطح الأرض. هذا الإنجاز لم يكن مجرد عرض جريء، بل ساهم بشكل كبير في جمع بيانات علمية حيوية حول فيزيولوجيا الإنسان في الظروف القاسية للستراتوسفير، مما يفيد الأبحاث المستقبلية في مجال الطيران والفضاء.

قبل هذا الإنجاز الأسطوري، كان فيليكس قد سجل العديد من الأرقام القياسية الأخرى في القفز الحر والقفز من ارتفاعات ثابتة (BASE jumping) من أماكن أيقونية مثل تمثال المسيح الفادي في ريو دي جانيرو وبرج تايبيه 101.

لقد ألهمت شجاعته وتصميمه الملايين حول العالم، حيث أظهر أن الحدود الحقيقية غالبًا ما تكون تلك التي نضعها لأنفسنا. سيظل فيليكس باومغارتنر في الذاكرة كشخصية عالمية بارزة، ورمز للشجاعة التي لا تلين، والشغف الذي يدفع إلى تجاوز حدود الممكن. تركت وفاته فراغًا كبيرًا في قلوب محبي الرياضات الخطرة، لكن إرثه من الإنجازات الملهمة سيستمر في إشعال روح المغامرة في الأجيال القادمة….المزيد
.
كاتب المقال
يونس سليم
صحفي ومترجم
مؤسسة الرياضة للأبدالاعلامية

للتواصل  yonas@sport4ever.org

.
lلموضوعات الأكثر بحثا ً
إنغريد سانتوس: عاصفة غير مسبوقة ومثيرة للجدل
المهايبس Mheibes رياضة من التراث الخفي
بوسابول (Bossaball): مزيج فريد من الألعاب الرياضية
حكاية أخطر إصابة هددت عرش ميسي ورونالدو وكاكا
رياضة كرة القدم تحت الماء وكرة الهوكي تحت الماء
صيد الصقور (القنص): رياضة الملوك والشيوخ

رياضة الجوجيتسو : دليل شامل لتاريخ وفهم رياضة الأبطال
.

فيليكس باومغارتنر, Felix Baumgartner skydiving, Felix Baumgartner Red Bull Stratos, Felix Baumgartner sonic barrier, Felix Baumgartner death, وفاة فيليكس باومغارتنر, حادث طائرة شراعية فيليكس باومغارتنر, فيليكس باومغارتنر مغامر نمساوي, Felix Baumgartner أرقام قياسية, Felix Baumgartner BASE jumping, قفزة فيليكس باومغارتنر من الستراتوسفير, سرعة فيليكس باومغارتنر الصوتية, إرث فيليكس باومغارتنر, شجاعة فيليكس باومغارتنر, حياة فيليكس باومغارتنر, Felix Baumgartner pilot, Felix Baumgartner world record.