Physical Address
304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124
Physical Address
304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124

عالمك الرياضي المفضل

عالمك الرياضي المفضل
الرياضة للأبد – في عمق التاريخ الكروي المصري، بعيدًا عن أضواء الملاعب الكبرى ووهج البطولات الرسمية، تكمن حكايات بطولة من نوع خاص، بطولة ولدت ونمت في “أرض الخدمة بالقللي”. هذا الملعب المتواضع، الذي لم تتجاوز مساحته تقريبًا مساحة ملعب كرة اليد، لم يكن مجرد قطعة أرض، بل كان مسرحًا لأعظم المواهب وأشرس المنافسات في عالم الكرة الشراب. إنه المكان الذي شهد ميلاد الأساطير، وتهافتت إليه الجماهير من كل حدب وصوب، محولة إياه إلى ما يشبه “الاستاد الشعبي” الذي يحبس الأنفاس.
لمن سأل عن الأفضل في تاريخ الكرة الشراب بمصر، ستأتي الإجابة سريعة وحاسمة: فريق جراند يتربع على عرش الصدارة. هذا الفريق، الذي أصبح أيقونة حقيقية في هذا النوع من كرة القدم، كان يمتلك في صفوفه ثنائيًا لا يُقهر، اسمين أصبحا مرادفين للإبداع الكروي الخالص: جراند ورجب. هذا الثنائي، الذي وُصف بـ “الجبار”، لم يكن مجرد لاعبين، بل كانا قوة كاسحة، اجتاحت كل الدورات والبطولات التي أُقيمت على أرض الخدمة بالقللي. كانا يقدمان عروضًا مبهرة، ويُظهران مهارات فريدة من نوعها، مما جعلهما أخطر وأمهر دويتو عرفته أرض القللي. كانت لمساتهما الساحرة، وتمريراتهما الحاسمة، وأهدافهما الخارقة، تترك بصمة لا تُمحى في ذاكرة كل من شاهدهما يلعبان.
لم تكن أرض الخدمة بالقللي مجرد ساحة للمواهب المحلية فحسب، بل كانت نقطة جذب لأسماء لامعة في سماء كرة القدم المصرية. من منطقة أرض المشتل بميدان فكتوريا والمظلات وأرض كلية الزراعة، لمع نجم مختار مختار، المعروف بـ “عادل مسمار”، والذي كان لاعبًا بارزًا في فريق مصطفى عيد وأبو المعاطي. هؤلاء اللاعبون، بمهاراتهم الفذة، كانوا يضفون على المباريات طابعًا خاصًا من التنافسية والإثارة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت تتمثل في توافد نجوم من العيار الثقيل، لم يخشوا التحدي والإصابات المحتملة. من هؤلاء النجوم كان نجم الأهلي مصطفى يونس، الذي كان يشارك في هذه المباريات الحماسية رغم خطورة اللعب على الأسفلت. ومن طوسون، لمعت أسماء مثل مجدي كامل وشقيقه اللواء علي كامل، وصبري كورة، والكابتن الشهير أحمد عفت، واللواء محمد رفاعي، والكابتن كمال عثمان. لم يقتصر الأمر على هؤلاء فحسب، بل انضم إليهم بليه نجم البلاستيك، وويكا، ومحمود حلاوة، وسعيد سويته. هذه الكوكبة من النجوم، سواء كانوا محترفين أو هواة، كانوا يجسدون الروح الحقيقية للكرة الشراب، حيث الشغف يتغلب على كل الحواجز. كانت المباريات تتحول إلى مواجهات كروية حقيقية، يتبادل فيها اللاعبون المهارات واللمسات الفنية، في أجواء من الحماس والندية لا مثيل لها.
كانت أرض الخدمة بالقللي تتمتع بنظامها الخاص، الذي لا يخضع لأي قوانين رسمية، بل لسلطة فرد واحد: “خيشة”. هذا الرجل، الذي كانت آثار المعارك الشرسة بادية على وجهه من خلال غرزه المتعددة، لم يكن مجرد بلطجي عادي، بل كان الحاكم المطلق لكل ما يدور في الملعب. قدرته على السيطرة كانت مذهلة، فمهما كان عدد الحاضرين أو شدة التنافس، كان “خيشة” يفرض كلمته ويضمن سير الأمور بسلاسة.
لم تقتصر مهام “خيشة” على فرض النظام فحسب، بل كان هو العقل المدبر وراء كل تفصيلة في الملعب. كان مسؤولًا عن تخطيط الملعب بالجير، وضمان دقة الخطوط التي تفصل بين مناطق اللعب. كما كان يتولى مهمة وضع شباك حارس المرمى، والتأكد من تثبيتها بشكل صحيح. وحتى أدق التفاصيل لم تفلت من عينيه، فكان يقوم بتأجير الكراسي للجماهير مقابل “قرش صاغ” زهيد، في لمسة تعكس البساطة والروح الشعبية التي كانت تسود المكان.
لكن الدور الأهم الذي لعبه “خيشة” كان في تنظيم المباريات. كان هو العقل المدبر وراء استدعاء نجوم منتخب مصر للمشاركة في هذه المواجهات الحماسية. كان هؤلاء النجوم يأتون من وراء أنديتهم، متخفين وخائفين من العقاب الشديد، وذلك بسبب خطر الإصابات التي قد يتعرضون لها جراء اللعب على أرضية الأسفلت القاسية. ومع ذلك، كان الشغف بكرة القدم الشراب يتغلب على خوفهم، وكانوا يجدون في أرض الخدمة بالقللي المتنفس الحقيقي لإظهار مهاراتهم بعيدًا عن قيود الأندية الرسمية. كان “خيشة” يمتلك شبكة علاقات قوية، تمكنه من الوصول إلى هؤلاء اللاعبين وإقناعهم بالمشاركة، مما أضاف بعدًا آخر من الإثارة والشهرة لأرض الخدمة.
ملعب الجماهير: “استاد شعبي” يتجاوز كل التوقعات
لم يكن هذا الملعب المتواضع مجرد ساحة للعب، بل تحول إلى “استاد شعبي” يتوافد إليه عشاق الكرة الشراب من جميع أنحاء القاهرة والجيزة. كانت الجماهير تتدفق بأعداد غفيرة، لدرجة أن أسطح المنازل المطلة على الملعب كانت تُؤجر للمشاهدين، في مشهد يعكس مدى الشغف والتعلق بهذه الظاهرة الكروية الفريدة. هذا الملعب، بكل بساطته، كان يمتلك سحرًا خاصًا يجذب إليه الآلاف، محولًا كل مباراة إلى كرنفال جماهيري حقيقي.
كانت الأجواء في أرض الخدمة بالقللي لا تُنسى. صيحات التشجيع، صرخات الإعجاب، وانفجارات الفرح، كانت تملأ الأجواء مع كل لمسة فنية أو هدف رائع. لم تكن هذه الجماهير تبحث عن ملاعب ضخمة أو مقاعد مريحة، بل كانت تبحث عن الروح الحقيقية لكرة القدم، عن المتعة الخالصة التي تجدها في هذه المباريات الحماسية. كانت الجماهير جزءًا لا يتجزأ من العرض، تضيف إليه لمسة من الحيوية والشغف، وتجعل من كل مباراة تجربة لا تُنسى.
إرث لا يُنسى: الكرة الشراب كرمز للهوية الشعبية
إن قصة أرض الخدمة بالقللي ليست مجرد حكاية عن كرة القدم، بل هي قصة عن الهوية الشعبية، عن الشغف الذي يتجاوز كل الحدود، وعن القدرة على خلق المتعة والإثارة بأبسط الإمكانيات. إنها قصة عن جيل من اللاعبين والجماهير، الذين وجدوا في الكرة الشراب متنفسًا لهم، ومساحة للتعبير عن مواهبهم وعشقهم للعبة.
ربما لم تكن هناك سجلات رسمية، أو بطولات كبرى، لكن الذكريات تظل حية في أذهان من عاصروا تلك الحقبة الذهبية. فريق جراند والثنائي جراند ورجب، و**”خيشة”، ونجوم الأهلي والمنتخب**، والجماهير الشغوفة، كل هؤلاء ساهموا في نحت أسطورة أرض الخدمة بالقللي، التي ستبقى خالدة في تاريخ الكرة الشراب في مصر، كشاهد على أن العبقرية الكروية لا تعرف حدودًا، وأن الشغف الحقيقي يمكن أن يزدهر في أي مكان، حتى على أرض أسفلتية متواضعة. هذه الحكايات ليست مجرد ذكريات، بل هي دروس في الشغف والإصرار والقدرة على خلق الفرح من العدم، مما يجعلها جزءًا لا يتجزأ من التراث الكروي المصري الذي يستحق أن يُروى ويُتذكر للأجيال القادمة….المزيد
.
كاتب المقال
سيد زهري
رئيس التحرير
للتواصل. sayed.zohre@sport4ever.org
موضوعات شعبية وجماهيرية:
.
أساطير الكرة الشراب, أرض الخدمة, القللي, ثنائي جبار, عادل مسمار, مصطفى عيد, أبو المعاطي, ميدان فكتوريا, المظلات, أرض كلية الزراعة, مجدي كامل, علي كامل, صبري كورة, أحمد عفت, محمد رفاعي, كمال عثمان, بليه, ويكا, محمود حلاوة, سعيد سويته, تنظيم المباريات, استاد شعبي, تأجير أسطح المنازل, عشاق الكرة الشراب, نجوم منتخب مصر, عقاب الأندية, اللعب على الأسفلت, تاريخ الكرة الشعبية.