الكيودو: رياضة الفن ومسار للروح والجسد

الرياضة للأبد – الكيودو (باليابانية: 弓道، بالإنجليزية: Kyūdō)، والذي يعني حرفيًا “طريق القوس”، ليس مجرد رياضة رماية يابانية تقليدية، بل هو أحد الفنون القتالية اليابانية الحديثة التي تتجاوز مجرد إصابة الهدف لتلامس أعماق الروح والتركيز الذهني. يمثل الكيودو تجسيدًا فريدًا للجمع بين الدقة البدنية والانضباط الروحي، مما يميزه عن غيره من فنون الرماية حول العالم.

 

انتشار وتطور الكيودو

 

تُظهر الإحصائيات الأخيرة مدى انتشار هذا الفن العريق، ففي عام 2005، قُدّر عدد ممارسي الكيودو بنحو نصف مليون شخص. ومن بين هؤلاء، كان 132,760 شخصًا يحملون رتبًا معترفًا بها، مما يدل على هيكل تنظيمي راسخ ومسار واضح للتقدم داخل مجتمعات الكيودو. هذا العدد الكبير من الممارسين يعكس الجاذبية المستمرة للكيودو كنشاط يجمع بين الفن، الرياضة، والتطور الشخصي.

تاريخيًا، تطور الكيودو من تقنيات الرماية التي كانت تستخدم في الصيد والحرب، ثم تحول مع مرور الوقت ليصبح فنًا يركز على الجانب الروحي والأخلاقي. هذا التحول جعله جزءًا لا يتجزأ من الثقافة اليابانية، حيث يُنظر إليه ليس فقط كوسيلة لتعزيز المهارات الجسدية، بل كطريق لتحقيق الانسجام الداخلي والانضباط الذاتي.

 

فلسفة الكيودو: ما وراء إصابة الهدف

 

على الرغم من أن الهدف الأساسي في الكيودو، شأنه شأن أي رياضة رماية أخرى، هو إصابة المركز، إلا أن فلسفته تتعدى ذلك بكثير. يكمن جوهر الكيودو في التركيز على الشكل الصحيح وجمال جسد الرامي أثناء عملية الرمي. هذا التركيز على “الشكل” و”الحركة” لا ينبع من مجرد السعي للكمال الجمالي، بل لأنه يُعتقد أن الشكل الصحيح هو مفتاح الوصول إلى حالة من التركيز الذهني والهدوء الداخلي تسمح للرامي بإطلاق السهم بكفاءة ودقة متناهية.

في الكيودو، يُقال غالبًا أن “الرمية الصائبة هي نتيجة طبيعية للحالة الذهنية والجسدية الصحيحة”. وبالتالي، يصبح الهدف ليس فقط إصابة اللوحة الخشبية، بل تحقيق انسجام بين العقل والجسد والروح، والوصول إلى حالة من “اللاوعي الواعي” حيث تتم الحركة بشكل تلقائي وبدون جهد. هذه الأبعاد الروحية تجعل من الكيودو ممارسة تأملية، حيث يتعلم الممارس الصبر، المثابرة، والتحكم في الذات، مما ينعكس إيجابًا على حياته اليومية.

 

الكيودو اليوم: فن عالمي

 

اليوم، لم يعد الكيودو مقتصرًا على اليابان، بل انتشر في جميع أنحاء العالم، حيث يجذب الأفراد الباحثين عن رياضة فريدة تجمع بين التحدي الجسدي والعمق الروحي. تُعقد الدورات التدريبية والمسابقات بانتظام، ويستمر الممارسون في استكشاف “طريق القوس” كمسار للتطور الشخصي والروحي في عالمنا الحديث.

تقنيات الكيودو الأساسية: رحلة من الـ “هاسو” إلى الـ “هاناري”

 

تعتمد ممارسة الكيودو على سلسلة دقيقة من ثماني مراحل تُعرف باسم “شادو” (Shaho) أو “ثماني مراحل للرمي”. هذه المراحل ليست مجرد خطوات ميكانيكية، بل هي تتابع متكامل يهدف إلى تهيئة الرامي جسديًا وذهنيًا لأداء الرمية المثالية. فهم هذه المراحل أساسي لأي ممارس للكيودو:

  1. آشي بومي (Ashi Bumi – وضع القدمين): هي الخطوة الأولى والأكثر أهمية، حيث يتم وضع القدمين بزاوية محددة لضمان الثبات والتوازن. هذا يوفر أساسًا قويًا للرمية بأكملها.
  2. دوزوكوري (Dozukuri – تشكيل الجذع): تتضمن محاذاة الجذع بشكل صحيح فوق مركز القدمين، مما يضمن استقامة الجسم ويسمح بتوزيع القوة بالتساوي.
  3. يوجاماي (Yugamae – تهيئة القوس): تشمل ثلاث حركات فرعية:
    • توري كاتا (Tori Kata): مسك القوس والسهم بشكل صحيح.
    • تي نو أوشي (Te no Uchi): وضع اليد اليسرى على القوس.
    • تسوروكامي (Tsurukake): وضع اليد اليمنى (التي تمسك الوتر) بشكل صحيح.
  4. أوتشي أوكوشي (Uchi Okoshi – رفع القوس): رفع القوس والسهم إلى وضعية الاستعداد فوق الرأس. يجب أن تكون هذه الحركة سلسة ومتناغمة مع حركة الجسد بأكمله.
  5. سومي آي (Sanomi Ai – شد القوس): هي مرحلة الشد الأولي للقوس. هنا يبدأ الرامي في تمديد العضلات، لكن دون شد الوتر بالكامل بعد. تُعرف هذه المرحلة أيضًا بـ “داي سان” (Dai San) وهي نقطة محورية يتم فيها تحقيق أقصى قدر من الاستعداد قبل الشد الكامل.
  6. كاي (Kai – الشد الكامل): هي ذروة العملية، حيث يتم شد القوس إلى أقصى مدى ممكن، مع الحفاظ على التوازن والتركيز. تُعد هذه المرحلة الأطول في الكيودو، ويمكن أن تستغرق ما بين 4 إلى 10 ثوانٍ، وخلالها يتوجب على الرامي أن يجد “الفرصة الذهبية” للإطلاق.
  7. هاناري (Hanare – الإطلاق): هي اللحظة الحاسمة لإطلاق السهم. يُعتقد أن الإطلاق المثالي يحدث بشكل طبيعي وتلقائي عندما يصل الرامي إلى حالة من الانسجام الكامل، دون أي جهد واعي. يُنظر إليه كـ “التحرر” من القوس والسهم.
  8. زانشين (Zanshin – البقية): بعد الإطلاق، يحافظ الرامي على وضعيته البدنية وتركيزه الذهني لفترة وجيزة. هذا يعكس استمرارية الرمية وتأثيرها على الرامي والبيئة المحيطة. الـ “زانشين” ليس مجرد وقفة، بل هو استمرارية للوعي والنية.

 

التدريب في الكيودو: طريق للمثابرة والانضباط

 

التدريب في الكيودو يتطلب صبرًا ومثابرة هائلين. لا يركز المبتدئون في البداية على إصابة الهدف، بل على إتقان حركات الـ “شادو” الأساسية. يمكن أن يقضي الطالب شهورًا، بل وسنوات، في تكرار هذه الحركات دون إطلاق سهم واحد فعليًا نحو الهدف. هذا التركيز على الأساسيات يهدف إلى ترسيخ الانضباط الجسدي والذهني، وتطوير الحس الداخلي بالشكل الصحيح.

يتم التدريب عادة في دوجو الكيودو (Kyudojo)، وهي ساحات رماية مصممة خصيصًا لهذا الغرض. يشرف على التدريب معلمون (Sensei) ذوو خبرة عالية، والذين يوجهون الطلاب ليس فقط في التقنيات، بل أيضًا في الفلسفة والمبادئ الروحية للكيودو. يتبع التدريب نهجًا هرميًا، حيث يتقدم الطلاب عبر مستويات و”رتب” (Kyu ثم Dan) بناءً على إتقانهم للشكل والفهم الفلسفي، وليس فقط على قدرتهم على إصابة الهدف.

 

الكيودو والفنون القتالية الأخرى: التركيز على الروح

 

على عكس بعض فنون القتال اليابانية الأخرى التي تركز على المواجهة والقتال، فإن الكيودو يركز بشكل كبير على الصراع الداخلي والتحسين الذاتي. يعتبر القوس والسهم امتدادًا للرامي نفسه، والهدف هو قهر الذات، وليس الخصم. هذا لا يقلل من أهميته كفن قتالي، بل يرفع من مستواه ليصبح ممارسة روحية عميقة.

في الكيودو، لا يوجد “فوز” أو “خسارة” بالمعنى التقليدي للمنافسة بقدر ما يوجد “نجاح” في تحقيق الانسجام والكمال في الرمية. هذا يجعله فنًا يتناسب مع الفرد الذي يبحث عن النمو الشخصي، والتحكم في النفس، والوصول إلى حالة من الهدوء والتركيز التي يمكن تطبيقها في جميع جوانب الحياة….المزيد
.
كاتب المقال
سمير عثمان
صحفي

  مؤسسة الرياضة للأبد الاعلامية
للتواصل samir@sport4ever.org
lلموضوعات الأكثر بحثا ً

رياضة الجوجيتسو : دليل شامل لتاريخ وفهم رياضة الأبطال
ويمبلدون 2025 : صراع العمالقة على عشب التاريخ

المصارعة النوبية : فن قتالي وتراث ثقافي

سباقات الهجن التقليدية – تراث الصحراء ومهارة الفرسان

التونسية أنس جابر تصنع التاريخ
مشاهير لاعبي كرة القدم العرب الحاليين
.

الكيودو, الرماية اليابانية, طريق القوس, فن قتالي حديث, التركيز الروحي, الرياضة للابد, شادو (المراحل الثماني للرمي), آشي بومي, دوزوكوري, يوجاماي, أوتشي أوكوشي, سانومي آي, كاي, هاناري, زانشين, تدريب كيودو, دوجو, معلم السنسي, الانضباط الذاتي, النمو الشخصي.