التحطيب في صعيد مصر: رقصة العصا التي تروي تاريخًا

الرياضة للأبد – في قلب صعيد مصر، حيث تتجذر التقاليد بعمق في الأرض كالنخيل الباسق، تُوجد رياضة “التحطيب”؛ ليست مجرد لعبة أو فن قتالي، بل هي رقصة شعبية، ومبارزة نبيلة، وسيمفونية تجمع بين القوة والرشاقة والإيقاع. التحطيب هو تجسيد حي لتاريخ طويل يمتد من الفراعنة إلى يومنا هذا، يحكي قصص الرجولة، الشرف، والمهارة التي تناقلتها الأجيال عبر عصا خشبية.

جذور فرعونية وعمق تاريخي

لا يُعرف تاريخ التحطيب بدقة، لكن جذوره تمتد عميقًا في التاريخ المصري القديم. تُظهر النقوش الجدارية في مقابر بني حسن بمحافظة المنيا (التي تعود إلى الدولة الوسطى حوالي 2000 قبل الميلاد) مشاهد تُشبه إلى حد كبير ممارسات التحطيب الحديثة. تظهر رسومات لرجال يتبارزون بالعصي، في وضعيات توحي بالمهارة والدفاع والهجوم، مما يشير إلى أن فن المبارزة بالعصا كان جزءًا أصيلًا من التدريبات العسكرية أو الطقوس الاحتفالية آنذاك. هذا الارتباط بالجذور الفرعونية يمنح التحطيب بُعدًا تاريخيًا ورمزياً فريدًا، يجعله أكثر من مجرد رياضة؛ إنه إرث حي.

قواعد غير مكتوبة… وروح المحارب النبيل

على عكس الرياضات الحديثة ذات القواعد الصارمة والمدونة، فإن التحطيب يقوم على مجموعة من القواعد “غير المكتوبة” والمتوارثة شفاهيًا، تعتمد بشكل كبير على الأخلاق، الاحترام المتبادل، والتقدير لروح المبارزة. تبدأ المبارزة بتحية مهيبة بين اللاعبين، يعقبها “النزال” الذي يتميز بالرشاقة والسرعة والدقة. الهدف ليس إيذاء الخصم، بل إظهار المهارة في الدفاع والهجوم، والقدرة على التحكم بالعصا ببراعة. يُعد لمس رأس الخصم بالعصا بمثابة نقطة حاسمة، أو قد تعني هزيمة إذا كان اللمس قويًا وواضحًا.

الاحترام هو جوهر اللعبة؛ فالمتبارزان يتحديان بعضهما البعض، لكنهما يحترمان قوة ومهارة الآخر. التجاوز أو الغش مرفوض تمامًا، والجمهور غالبًا ما يكون هو الحكم النزيه الذي يُعلن عن الفائز بناءً على البراعة والروح الرياضية. هذه القواعد الأخلاقية تجعل التحطيب فنًا نبيلًا يتجاوز مجرد القوة البدنية، ليصبح اختبارًا للانضباط والفروسية.

الموسيقى والإيقاع: نبض التحطيب

لا يمكن فصل التحطيب عن الموسيقى والإيقاع الذي يرافقه. على أنغام المزمار البلدي والطبول والدفوف، تتحول المبارزة إلى رقصة ساحرة. الموسيقى ليست مجرد خلفية صوتية، بل هي جزء أساسي من الأداء؛ فهي تحدد سرعة الإيقاع، وتلهم اللاعبين، وتخلق جوًا من الحماس والتوحد بين المتبارزين والجمهور. اللاعبون يحركون عصيهم وأجسادهم بتناغم مع الألحان، فتارة تكون سريعة ومثيرة، وتارة أخرى بطيئة ومتقنة، مما يبرز جمالية الحركة والانسجام بين الإنسان والعصا والموسيقى. هذا التفاعل الفريد يمنح التحطيب طابعًا احتفاليًا لا يُنسى.

التحطيب في صعيد مصر: من الميدان إلى المناسبات الاجتماعية

يُعد التحطيب جزءًا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والثقافي في صعيد مصر. فهو ليس مقتصرًا على التدريبات اليومية أو العروض الاحتفالية، بل هو عنصر أساسي في:

  • الأفراح: يُعتبر التحطيب فقرة رئيسية في حفلات الزفاف، حيث يُظهر الرجال قوة القبيلة وشجاعة العرسان وأقاربهم، في جو من الفرح والبهجة.
  • المناسبات الاجتماعية: يُمارس في الاحتفالات الكبرى، المواسم الزراعية، أو حتى في حل النزاعات بين العائلات كنوع من التحدي الشريف الذي ينتهي بالاحترام المتبادل.
  • التعبير عن الرجولة والشرف: يُنظر إلى اللاعب المتقن للتحطيب على أنه رجل شجاع، ذو مهارة عالية، ويحظى بتقدير كبير في مجتمعه. فن العصا هو بمثابة رمز للقوة البدنية والروحية.

روح قتالية نبيلة ومهارة متوارثة

التحطيب هو أكثر من مجرد قتال؛ إنه فن يتطلب سنوات من التدريب والالتزام. المهارة فيه لا تقتصر على القوة البدنية، بل تشمل الدقة في التوقيت، سرعة البديهة، خفة الحركة، والقدرة على قراءة حركات الخصم. العصا، التي تبدو بسيطة، تصبح امتدادًا لذراع اللاعب، تتلوى وتدور بمهارة فائقة، تُدافع وتُهاجم في آن واحد. هذه المهارة تُورث من جيل إلى جيل، ويحرص كبار اللاعبين على تعليمها للصغار، ليس فقط كفن قتالي، بل كجزء من الهوية الثقافية والتراثية.

أسماء لامعة في سماء التحطيب:

  • صابر السوهاجي / العمدة صابر محيي الدين (من سوهاج): يُعد من كبار شيوخ التحطيب، ويُذكر اسمه كثيرًا في التقارير الصحفية التي تتناول هذا الفن. معروف بخبرته الطويلة التي بدأت منذ عمر 15 سنة، وبمشاركته في الفعاليات الثقافية المختلفة، ويعتبر رمزًا للحفاظ على اللعبة.

  • أحمد فهمي (ابن قنا): يظهر اسمه كأحد أبرز نجوم التحطيب في قنا، ويُعرف بدوره في تنظيم مسابقات بين المحافظات، والتأكيد على أن التحطيب “ثلث أدب وثلثين صنعة وفن”.

  • المعلم رضوان منصور أبو سليمان (شيخ التحطيب بالأقصر): يُعتبر من الشخصيات المحورية في عالم التحطيب بالأقصر، وله دور كبير في مهرجانات التحطيب السنوية وإحياء هذا التراث. يؤكد على أن اللعبة نقلت من جدران المعابد.

  • الحاج مختار عبد اللاه نور الدين (عميد لعبة التحطيب في جرجا بسوهاج): يُعرف بعميد اللعبة، ويُشدد على أن العصا “أدب مبنية على أدب”، وأنهم زاروا جميع البلاد محترمين ومقدرين.

  • العمدة معتمد السوهاجي (من سوهاج): يوصف بأنه أحد أشهر “فوارس التحطيب” في الصعيد، وقد ورث اللعبة عن آبائه وأجداده، ويؤكد على أن التحطيب لن يندثر لإقبال الشباب عليه.

  • يوسف جمال الشبلي (من الأقصر): أتقن التحطيب في سن مبكرة، وصار من الأشهر في مجاله، وله تنافسات معروفة تُظهر قوة اللعبة.

  • محمد أبو الوفا الشعار (من قنا): يصف التحطيب بأنه “فن راق” له قواعده وأصوله، وقد ورث اللعبة عن والده الذي كان من أشهر لاعبي التحطيب في المحافظة.

  • متولي السمطي وأمين السمطي: يُذكران كأحد الرواد الذين ساعدوا قديمًا على انتشار لعبة التحطيب في محافظة قنا.

هذه الأسماء هي مجرد أمثلة لأعلام التحطيب الذين يُعرفون بمهارتهم والتزامهم بالحفاظ على هذا الفن. في كل قرية ونجع بصعيد مصر، ستجد “نجومًا” محليين يُعرفون ببراعتهم في التحطيب، ويُعدون بمثابة أبطال شعبيين في مجتمعاتهم، يورثون الفن والتقاليد من جيل إلى جيل.

في الختام، التحطيب ليس مجرد رياضة تُمارس في صعيد مصر، بل هو نافذة على روح شعب، وتعبير عن تاريخ عريق، وقصة تُروى بالعصا والإيقاع عن الشرف والرجولة والمهارة التي ما زالت تتراقص في قلوب الصعايدة، مؤكدة أن التراث الحي هو الذي يظل ينبض بالحياة عبر الأجيال….المزيد
.


كاتبة المقال
يولا حميدي
صحفية ومترجمة
  مؤسسة الرياضة للأبد الاعلامية
للتواصل  jula@sport4ever.org

.
موضوعات شعبية وجماهيرية

أساطير الكورة الشراب : حكايات من شوارع الزمن الجميل

مباراة للتاريخ – إسبانيا تتغلب على فرنسا (فيديو ملخص وأهداف)

فرانكو ماستانتونو : مالا تعرفه عن الموهبة الأرجنتينية

إسم وتطور لعبة كرة قدم عبر التاريخ

حرب كرة القدم

أسرع إقالة في التاريخ – إقالة في 600 ثانية

“الدمدمة في الأدغال”: ليلة صنع فيها محمد علي كلاي التاريخ

.

التحطيب, صعيد مصر, فن العصا, مبارزة شعبية, فن قتالي مصري قديم, جذور فرعونية, مبارزة بالعصا, نقوش بني حسن, قواعد غير مكتوبة, احترام متبادل, روح المحارب النبيل, المزمار البلدي, الطبول والدفوف, إيقاع التحطيب, رقصة ساحرة, الأفراح الصعيدية, المناسبات الاجتماعية, رجولة وشرف, مهارة متوارثة, فن نبيل, فن قتالي تراثي, صابر السوهاجي, العمدة صابر محيي الدين, أحمد فهمي, المعلم رضوان منصور أبو سليمان, الحاج مختار عبد اللاه نور الدين, عميد لعبة التحطيب, العمدة معتمد السوهاجي, يوسف جمال الشبلي, محمد أبو الوفا الشعار, متولي السمطي, أمين السمطي,Tahtib, Upper Egypt, Stick Fighting, Folk Martial Art, Ancient Egyptian Heritage, Pharaonic Roots, Stick Dance, Beni Hasan Tombs, Unwritten Rules, Respect, Noble Combat, Mizmar, Traditional Drums, Rhythm, Ceremonial Dance, Sa’idi Weddings, Social Events, Manhood, Honor, Inherited Skill, Noble Art, Cultural Heritage, Saber El-Souhagy, Omda Saber Mohieddin, Ahmed Fahmy, Master Radwan Mansour Abu Suleiman, Haj Mokhtar Abdellah Nour El-Din, Dean of Tahtib, Omda Moatamed El-Souhagy, Youssef Gamal El-Shebly, Mohamed Abulwafa El-Shaar, Metwaly El-Semmaty, Amin El-Semmaty